أبي منصور الماتريدي
18
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
سورة الأنعام معجزة ؛ لأنها نزلت في محاجة أهل الشرك في إثبات التوحيد والألوهية لله والبعث ، فكيف يكون وقد جعل الله القرآن آية معجزة عجز البشر عن إتيان مثله « 1 » ،
--> ( 1 ) قال الله سبحانه وتعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [ الإسراء : 88 ] فيهم العرب العاربة ، وأرباب البيان وتعاونوا عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ [ الإسراء : 88 ] في بلاغته وحسن نظمه . وقوله : لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [ الإسراء : 88 ] جواب قسم محذوف وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ الإسراء : 88 ] معينا على الإتيان بمثله ، ولم تندرج الملائكة في الفريقين مع عجزهم أيضا ، لأنهما هما المتحدون به . ومن ثم تعجبت الجن من حسن نظمه وبلاغته البالغة أقصى درجاتها فقالوا : إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [ الجن : 1 - 2 ] . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر - وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله عزّ وجل إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا » رواه الشيخان . قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : قوله : ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطى . . . هذا دال على أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا بد له من معجزة تقتضي إيمان من شاهدها . ولا يضره من أصر على المعاندة . قال ابن قرقول : « من » الأولى بيانية والثانية زائدة ، وما موصولة أو نكرة موصوفة بما بعدها وقعت مفعولا ثانيا ل « أعطى » ، و « مثله » مبتدأ و « آمن » خبره . والجملة صفة للنكرة أو صلة الموصول . والراجع إلى الموصول : الضمير المجرور في عليه ، أي : مغلوبا عليه في التحدي والمباراة . والمراد بالآيات : المعجزات . وموقع المثل هنا موقعه في قوله : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] أي : مما هو على صفته في البيان الغريب ، وعلو الطبقة في حسن النظم . والمثل يطلق ويراد به عين الشيء أو ما يساويه ، والمعنى ليس نبي من الأنبياء إلا قد أعطاه الله من المعجزات الدالة على نبوته الشيء الذي من صفته أنه إذا شوهد اضطر المشاهد إلى الإيمان به ، وتحريره أن كل نبي اختص بما يثبت دعواه من خوارق العادات بحسب زمانه ، فخص كل نبي بما ثبت له من خوارق العادات المناسبة لحال قومه ، كقلب العصا ثعبانا في زمن موسى وكونها تلقف ما صنعوا . وإخراج اليد بيضاء . وإنما كان كذلك لأن الغالب في زمانه السحر فأتاهم بما هو فوقه ، فاضطرهم إلى الإيمان به ولم يقع ذلك لغيره . وفي زمن عيسى صلّى اللّه عليه وسلم كان الغالب الطب فجاءهم بما هو أعلى منه : في إبراء الأكمه والأبرص بل بما ليس في قدرة البشر وهو إحياء الميت . وأما النبي صلّى اللّه عليه وسلم فأرسله الله من العرب أهل الفصاحة والبلاغة وتأليف الكلام على أعلى طبقاتها ومحاسن بدائعها ، فأتاهم بالقرآن فأعجزهم عن الإتيان بأقصر سورة منه . وقوله : آمن ، وقع في رواية حكاها ابن قرقول : أومن - بضم الهمزة ثم واو - وقوله ( عليه ) : بمعنى اللام أو الباء الموحدة . والنكتة في التعبير بها تضمنها معنى الغلبة ، أي : يؤمن بذلك مغلوبا عليه بحيث لا يستطيع دفعه عن نفسه ، لكن قد يخذل فيعاند كما قال تعالى : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً [ النمل : 14 ] . وقال الطيبي رحمه الله تعالى : المجرور في « عليه » حال أي : مغلوبا عليه في التحدي وموقع المثل موقعه من قوله : « فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ » أي : على صفته من البيان وعلو الطبقة في البلاغة ، وقوله : « وإنما كان الذي أوتيته وحيا . . . إلى آخره » معناه : معظم الذي أوتيته ، وإلا فقد أوتي من المعجزات ما لا ينحصر . والمراد به القرآن ، وأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر إلى يوم القيامة ، ولبلوغه أعلى طبقات البلاغة ، وأقصى آيات الإعجاز ، فلا يتأتى لأحد أن يأتي بأقصر سورة منه لجزالة تراكيبه ، وفخامة ترتيبه الخارج عن طوق البشر ، وليس المراد حصر معجزاته فيه . ولا أنه لم يؤت من المعجزات ما أوتي من تقدمه ؛ بل المراد أنه المعجزة العظمى التي اختص بها دون -